صحة

الصيف ليس للجميع.. كيف يؤدي هذا الفصل إلى اكتئاب البعض؟

هناك أوقات في حياتنا نشعر فيها بثقل داخلي لا يُفسّره أحد، وكأنّ ضوء العالم لا يصل إلى أعماقنا. هذا الشعور لا يقتصر على وقت مُعيّن، قد يظهر حتّى في الأيام التي تبدو مشرقًة ومليئة بالحياة.

نعم، حتّى في الصيف فصل الإجازات والراحة والسفر والنشاط، يُعاني بعض الأشخاص عكس ذلك تماما، إذ يُواجهون أعراضا مثل اضطرابات النوم، فقدان الطاقة، والشعور بالقلق أو الحزن دون سبب واضح.

إنّها ليست مجرّد حالة مزاجية عابرة، بل لها تفسير علمي يُعرف بـ”الاكتئاب الصيفي”، وهو أقلّ شيوعًا من اكتئاب الشتاء، لكنّه لا يقل تأثيرًا في حياة من يعانون منه.

* فما الأسباب التي تجعل البعض يُعانون من الاكتئاب في عزّ حرارة الصيف؟ كيف تظهر أعراضه؟ ومن هُم الأكثر عرضة له؟ والأهم من ذلك، كيف يُمكن التخفيف من حدّته؟..

الصيف لا يُبهج الجميع!

يُعرف اكتئاب الصيف، أو ما يُسمى أيضًا بالاكتئاب الموسمي الصيفي أو الاضطراب العاطفي الموسمي العكسي، بأنّه نوع من الاكتئاب المرتبط بتغيّر الفصول، ويؤدّي إلى تقلبات مزاجية تؤثّر على نوعية الحياة وجودتها.

وعلى الرغم من أنّ الاضطراب العاطفي الموسمي يظهر غالبًا في فصل الشتاء بسبب انخفاض التعرّض لضوء الشمس، وما يُسبّبه من زيادة في إنتاج هرمون الميلاتونين (المسؤول عن النعاس)، فإنّ العكس قد يحدث في الصيف: إذ أنّ الانخفاض الكبير في إنتاج هذا الهرمون نتيجة شدة الضوء وطول النهار، قد يُسبّب بدوره اضطرابات في النوم وتقلّبات مزاجية، وشعورًا بالحزن والقلق.

ويكمن الفرق الأساسي بين اكتئاب الشتاء والصيف في السبب البيئي الغالب؛ ففي حين يرتبط الأوّل بنقص الضوء الطبيعي، يرتبط الثاني بعوامل مثل ارتفاع درجات الحرارة وتغيّر أنماط النوم أو اضطراب الروتين اليومي، ما يجعل الصيف بالنسبة للبعض مصدرًا للانزعاج النفسي بدلًا من الراحة.

 

وحسب المعهد الوطني للصحة العقلية، يقوم الطبيب أو أخصائي الصحة النفسية بتشخيص اكتئاب الصيف إذا كان الشخص يعاني من:

 أعراض الاكتئاب الشديد.

 نوبات اكتئاب تحدث في أشهر الصيف لمدة عامين متتاليين على الأقل.

 نوبات الاكتئاب التي تميل للحدوث بشكل متكرر خلال فصل الصيف أكثر من أي وقت آخر من العام.

حين تختلّ الطاقة والمزاج.. ويُصبح الصيف ‘عبئا نفسيا’

تختلف علامات الاكتئاب الصيفي من شخص إلى آخر، ولكن هناك مجموعة من الأعراض المشتركة التي يمكن أن تنبّه إلى وجود هذا الاضطراب. وهي لا تقتصر فقط على الحالة النفسية، بل تمتد لتؤثر على الجسم والسلوك اليومي أيضًا. ومن أبرز هذه الأعراض:

 أرق أو اضطرابات النوم: يعاني كثير من المصابين من صعوبة في النوم أو الاستيقاظ المتكرر خلال الليل.

• فقدان الشهية: بعكس اكتئاب الشتاء الذي يُرافقه الإفراط في الأكل، يُلاحظ في الاكتئاب الصيفي انخفاض واضح في الشهية.

• فقدان الوزن: نتيجة فقدان الشهية واضطرابات النوم، قد يفقد المصاب وزنه بشكل ملحوظ.

• القلق أو التوتر: الشعور بالانزعاج الدائم أو التوتر دون أسباب واضحة.

• مشاعر الحزن أو اليأس: شعور عام بالحزن المستمر أو الإحساس بالفراغ الداخلي.

• صعوبة في التركيز: تراجع القدرة على التفكير أو اتخاذ القرار.

• الانسحاب الاجتماعي: الميل للعزلة ورفض النشاطات الاجتماعية رغم توفرها في الصيف.

متى تصبح الأعراض خطيرة جدّا؟

في بعض الحالات، قد تتجاوز أعراض الاكتئاب الصيفي الشعور بالحزن أو الأرق، لتتحوّل إلى مؤشرات أكثر خطورة تستوجب تدخّلًا نفسيًا عاجلًا. من بين هذه الأعراض:

 نوبات من السلوك العنيف أو الانفعالي الزائد، خاصة في حالات التوتر الشديد.

 عدم القدرة على أداء المهام اليومية كالمعتاد، سواء في العمل، الدراسة أو العلاقات الشخصية.

 ظهور أفكار انتحارية أو رغبة في إيذاء النفس، وهي من أخطر علامات الاكتئاب، ويجب التعامل معها فورًا من قبل مختصين.

إذا ظهرت مثل هذه الأعراض، فلا يجب تجاهلها أو اعتبارها مؤقّتة، لأن الاكتئاب الصيفي، رغم موسميّته، يُمكن أن يؤثّر بعمق على الصحة النفسية ويتفاقم دون علاج.

 

من هم الأشخاص الأكثر عرضة لاكتئاب الصيف؟

في حين أنّ اكتئاب الصيف يُمكن أن يؤثّر في أيّ شخص، إلاّ أنّ هناك أشخاص معرضون لخطر أعلى من غيرهم للإصابة به، وهم:

  النساء أكثر عرضة للإصابة بمعدّل 4 مرات من الرجال.

  الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 – 30 عامًا.

  الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بأنواع أخرى من اضطرابات المزاج.

لماذا يبدو الصيف ثقيلاً على البعض؟

رغم أنّ الاكتئاب الصيفي لا يزال أقلّ دراسة من اكتئاب الشتاء، إلاّ أنّ الأبحاث تُشير إلى مجموعة من العوامل البيولوجية والنفسية والبيئية التي قد تُساهم في ظهوره. وتختلف هذه العوامل من شخص إلى آخر، لكن بعضها يتكرر لدى نسبة كبيرة من المصابين:

 اضطراب الساعة البيولوجية: في الصيف، تطول ساعات النهار بشكل ملحوظ، ما يؤدي إلى اختلال في الإيقاع اليومي للجسم (الساعة البيولوجية). هذا الاضطراب يمكن أن يؤثر على النوم والشهية والمزاج، خاصّةً لدى الأشخاص الذين لديهم حساسية مفرطة تجاه التغيرات الضوئية.

 انخفاض إنتاج الميلاتونين: ضوء الشمس القوي والمستمر قد يؤدّي إلى تراجع إنتاج هرمون الميلاتونين، المسؤول عن تنظيم النوم. وهذا النقص يُسبب أرقًا وتعبًا عصبيًا، مما يؤثر سلبًا على الحالة النفسية.

 اختلال في مستويات السيروتونين: هو ناقل عصبي مرتبط بتنظيم المزاج. وتشير بعض الدراسات إلى أنّ التعرّض المفرط للضوء والحرارة يمكن أن يؤدّي إلى خلل في توازن هذا الهرمون، ما يزيد من احتمالية التقلبات المزاجية والاكتئاب.

 التغيّرات في نمط الحياة: الصيف يعني غالبًا تغيّرًا في الروتين اليومي، أي نوم غير منتظم وسهر متواصل وسفر أو رُبّما فراغ، وهو ما قد يربك التوازن النفسي، خاصّة لدى من يعتمدون على الاستقرار والروتين كوسيلة للشعور بالأمان.

 التوتّر الناتج عن درجات الحرارة المرتفعة: الحرارة المرتفعة تُجهد الجسم والعقل، وقد تسبب تهيّجًا عصبيًا، ونفورًا من التفاعلات الاجتماعية، مما يعزّز الشعور بالانزعاج والتوتر النفسي.

 المقارنة الاجتماعية: فصل الصيف مليء بصور “الحياة المثالية” وكذلك “الجسم المثالي” (summer body)، ما ينتج عن ذلك كم من المقارنات، خاصّة على وسائل التواصل الاجتماعي، قد يُولّد مشاعر نقص أو عدم رضا عن الذات، ويُغذّي شعور العزلة والانغلاق.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى